طب دايلي

مرض السكر عند الأطفال

نظرة سريعة

يصاب الأطفال بداء السكّري بطريقة تنبئ بتحوّلات جوهرية في نمطَ الحياة. ففيما كان داء السكري من النوع الأول هو الأكثر شيوعاً لدى الصغار سابقاً، صرنا نلاحظ أيضاً ازدياداً في داء السكري من النوع الثاني نتيجة السمنة وتغيّرات نمط الحياة. في هذا المقال، الذي أكتبه بصفتي طبيباً ممارساً عاماً، أوضّح أسباب المرض لدى الأطفال والأعراض والأنواع، كما أشرح الإجراءات التشخيصية والعلاج بجانب النصائح الوقائية، مستعينا بأحدث الإرشادات العلمية.

مقدّمة

لم يعد مرض السكري مقتصرًا على البالغين كما كان في الماضي. فقد أصبح الأطباء، وأنا منهم، يلاحظون في السنوات الأخيرة تزايد عدد الأطفال والمراهقين الذين يُشخَّصون بهذا المرض، سواء من النوع الأول أو الثاني.
عندما درست الطب، كنت أتعلم أن “السكري عند الأطفال” يعني دائمًا النوع الأول، أي ذلك الذي يفقد فيه الجسم قدرته على إنتاج الأنسولين بسبب خلل في جهاز المناعة. لكن في السنوات الأخيرة، تغيّر المشهد، وأصبحت أرى في العيادة أطفالًا مصابين بالنوع الثاني من السكري، وهو النوع المرتبط أساسًا بالسمنة وقلة الحركة وسوء التغذية.

إن هذه الظاهرة تستحق الوقوف عندها، لا بهدف التخويف، بل لتوضيح الأسباب، والأعراض، وطرق التشخيص والعلاج، وكيف يمكن للأسرة أن تقي أبناءها من هذا المرض الذي قد يصاحبهم مدى الحياة ويسبب مضاعفات إن لم يُكتشف ويُعالج في الوقت المناسب.

أنواع السكري عند الأطفال

ينقسم داء السكري عند الأطفال إلى نوعين رئيسيين، تختلف أسبابهما وطريقة التعامل معهما:

1. داء السكري من النوع الأول

يحدث هذا النوع عندما يهاجم الجهاز المناعي خلايا البنكرياس المسؤولة عن إنتاج الأنسولين، فيتوقف الجسم عن إفراز هذا الهرمون كليًا أو جزئيًا.
النتيجة: يحتاج الطفل إلى الأنسولين الخارجي (عن طريق الحقن أو المضخة) ليتمكن من استخدام السكر كمصدر للطاقة.
ويُعتقد أن السبب مزيج من الاستعداد الوراثي والعوامل البيئية، مثل بعض الفيروسات التي قد تُحفّز الجهاز المناعي على مهاجمة البنكرياس.

2. داء السكري من النوع الثاني

هذا النوع، الذي كان نادرًا جدًا في الأطفال، أصبح للأسف أكثر شيوعًا. في هذه الحالة ينتج الجسم الأنسولين، لكنه لا يستخدمه بكفاءة، وهي الحالة المعروفة بـ “مقاومة الأنسولين”.
غالبًا ما يظهر هذا النوع عند الأطفال الذين يعانون من زيادة الوزن أو السمنة، أو الذين يتبعون نظامًا غذائيًا غنيًا بالسكريات والدهون مع قلة النشاط البدني.

ومن واقع خبرتي كطبيب ممارس، ألاحظ أن بعض الآباء يُفاجأون حين يخبرهم الطبيب أن طفلهم يعاني من السكري من النوع الثاني، لأنهم كانوا يظنون أن هذا النوع لا يصيب إلا الكبار. الحقيقة أن نمط الحياة الحديث (قلة الحركة، الأطعمة السريعة، الشاشات) جعل هذا المرض يتسلل إلى أعمار لم يكن يُرى فيها من قبل.


لماذا ازداد انتشار السكّري لدى الأطفال؟

تختلف الأسباب تبعًا لنوع السكري، لكن هناك عوامل رئيسية تزيد من احتمال الإصابة به:

  • الوراثة: كون أحد الوالدين أو الأشقاء مصابًا بالسكري يزيد من احتمالية الإصابة، خصوصًا في النوع الأول.
  • السمنة وزيادة الوزن: أهم عوامل خطر النوع الثاني، إذ تؤدي الدهون الزائدة إلى تقليل استجابة الخلايا للأنسولين.
  • قلة النشاط البدني: الحركة اليومية ضرورية لحساسية الأنسولين، وقلتها تجعل الجسم أقل قدرة على تنظيم السكر.
  • النظام الغذائي السيئ: تناول الأطعمة الغنية بالدهون المشبعة والمشروبات الغازية والحلويات يرهق البنكرياس.
  • الضغط النفسي أو الأمراض الفيروسية: في بعض الحالات قد تُحفّز العدوى الجهاز المناعي على مهاجمة خلايا البنكرياس.

من تجربتي، كثيرًا ما أرى أن المشكلة لا تبدأ بالسمنة نفسها، بل بالعادات اليومية الصغيرة: الإفطار المتكرر على المعجنات، الساعات الطويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، وغياب الرياضة المدرسية.

أود أن أُشير إلى أن هذه العوامل تمثّل فرصة للتدخل، أي أن هناك مجالاً واسعاً للوقاية، وهذا ما يتطلّب تكامل الأسرة والمدرسة والطبيب والمجتمع.


الأعراض التي يجب أن ينتبه لها الأهل

الأعراض في الأطفال قد تبدأ خفيفة ثم تتطور بسرعة، لذلك يجب على الأهل ملاحظتها جيدًا.

أعراض النوع الأول:

  • عطش شديد وتبوّل متكرر، حتى في الليل.
  • فقدان وزن ملحوظ رغم تناول الطعام كالمعتاد.
  • تعب عام وشعور دائم بالإرهاق.
  • جوع مفرط أو شهية غير مستقرة.
  • رائحة فم تشبه الفاكهة (في حال ارتفاع السكر الشديد).

أعراض النوع الثاني:

  • زيادة العطش أو التعب بعد الوجبات.
  • التهابات جلدية متكررة أو بطيئة الشفاء.
  • سواد الجلد في الرقبة أو الإبطين (علامة تُسمى acanthosis nigricans).
  • زيادة الوزن أو صعوبة فقدانه.

ومن خبرتي، كثير من الأمهات يقلن لي عند التشخيص: “ظننت أن طفلي يكثر من شرب الماء فقط لأنه يتحرك كثيرًا”، أو “تصورنا أن كثرة التبوّل أمر طبيعي في الصيف”. هذه الملاحظات اليومية الصغيرة يمكن أن تُحدث فرقًا كبيرًا إذا نُبه إليها في الوقت المناسب.


كيف يُشخّص السكّري عند الأطفال؟

يُشخَّص السكري عند الأطفال بواسطة تحاليل دم بسيطة لكنها دقيقة، وأهمها:

  1. تحليل السكر الصائم: إذا تجاوز 126 ملغم/ديسيلتر في أكثر من مرة، يُعد مؤشرًا على السكري.
  2. تحليل السكر التراكمي (HbA1c): يوضح معدل السكر خلال الثلاثة أشهر الماضية، ويُعد تشخيصيًا إذا بلغ 6.5٪ أو أكثر.
  3. اختبار تحمل الجلوكوز: يُستخدم أحيانًا في الحالات الحدودية.
  4. تحاليل الأجسام المضادة: لتأكيد النوع الأول من السكري.

ويجب التنويه إلى أن هذه التحاليل لا تُجرى مرة واحدة فقط، بل تُكرّر للتأكد من التشخيص، خصوصًا عند الأطفال.

ملاحظتي كطبيب

أرى أن أحد التحدّيات هو إقناع الأسرة بأن الأمر ليس أمراً «عابراً» بل بحاجة لمتابعة دقيقة، وخصوصاً إذا كان الطفل في مرحلة النمو أو لديه نشاط مدرسي أو رياضي كبير؛ لأن التعديلات تكون أكثر دقة، وإشراك العائلة في خطة المتابعة يجعل النتيجة أفضل.


كيف نعالج السكّري عند الأطفال؟

تختلف الخطة العلاجية حسب النوع (الأول أو الثاني) والعمر، ونمط الحياة، ومدى الالتزام، والمضاعفات إن وجدت.

علاج النوع الأول

بما أن الطفل لا ينتج أنسوليناً كافياً، فالعلاج الأساسي هو حقن الأنسولين.

  • يُحدَّد إجمالي الجرعة اليومية اعتماداً على وزن الطفل وعمره. مثلاً: الأطفال بين عمر سنة و6 سنوات الذين لا يعانون من الحماض الكيتوني يحتاجون تقريباً 0.5-0.6 وحدة أنسولين لكل كجم من وزنهم يومياً.
  • يُرافق العلاج تعديل غذائي، مراقبة منتظمة لسكر الدم، دعم نفسي وعائلي.
  • الهدف: تحقيق مستويات سكر دم قريبة من الطبيعي مع تقليص التذبذب أو نقص السكر.

علاج النوع الثاني

يركّز على تعديل نمط الحياة أولاً: التخسيس عند الحاجة، وزيادة النشاط البدني، وتحسين الغذاء. ثم يمكن استخدام الأدوية الفموية أو حتى الأنسولين في الحالات التي لا تستجيب.

  • أمثلة: استعمال ميتفورمين (جلوكوفاج)، أو إضافة أدوية أحدث مثل داباجليفلوزين عند عدم الوصول لمستوى السكر المستهدف، أو الأنسولين في الحالات الشديدة.

ملاحظتي كطبيب

من وجهة نظري، الجزء الأصعب ليس تحديد الدواء وبدءه، بل ضمان الالتزام والمتابعة المنتظمة، وخصوصاً للأطفال الذين قد يشعرون بأنهم «مختلفون» عن أقرانهم. دعم الأسرة، المدرسة، والبيئة الرياضية يُعدّ عاملاً مهماً في النجاح. وأؤكد أن أحد أهمّ مفاتيح نجاح العلاج هو التوعية المستمرة للطفل والأسرة.


الهدف من العلاج والمتابعة

  • من المهم أن يكون الهدف علاجياً ليس فقط خفض السكر، بل تقليل التذبذبات (Fluctuations) وضمان أن الطفل يعيش حياة طبيعية بقدر المستطاع.
  • في النوع الأول يوصى بأن يكون هدف السكر التراكمي أقل من 7% أو حتى 6.5% عند توفر إمكانية المراقبة الدقيقة.
  • في النوع الثاني، يمكن أن يكون الهدف أقل من 6.5% أو حسب حالة الطفل والمضاعفات، مع العمل على خفض ضغط الدم، الدهون، والبروتين في البول.
  • تتضمّن المتابعة السنوية أو نصف السنوية فحوصات للكشف عن المضاعفات: النظر، الكلى، الأعصاب، الشرايين، ضغط الدم، الدهون، وكذلك الحالة النفسية والسلوكية.

الوقاية: ماذا يمكن أن تفعل لحماية طفلك؟

  • تحفيز الطفل على ممارسة شاط بدني منتظم: على الأقل 60 دقيقة يومياً
  • دعم نمط غذائي صحي: الحد من الوجبات السريعة، تقليل السكريات، التشجيع على تناول الفواكه/الخضروات
  • مراقبة الوزن والطول (مؤشر كتلة الجسم BMI) ومتابعة النمو عند طبيب الأطفال، خاصة في الحالات التي توجد فيها عوامل خطر (مثل الوزن الزائد، تاريخ عائلي).
  • الحد من وقت الجلوس أمام الشاشات وتشجيع المشاركة في ألعاب أو رياضات جماعية.
  • توعية الطفل والعائلة بأن التغذية الجيّدة والنشاط ليسا «عبئاً» بل أسلوب حياة، وأنا كطبيب ممارس أرى أن التركيز على هذه النقطة يوفّر فعلياً فرقاً ملموساً في العيادة: الأطفال الذين حسنوا من نمط حياتهم كانت استجابتهم للعلاج أفضل.

ما الذي أراه في العيادة؟

هناك بعض النقاط التي أودّ مشاركتها من خبرتي العملية:

  • كثير من الأطفال يُحضَرون بعد تأخّير، خاصة في النوع الثاني، بعد أن أصبحت الأعراض واضحة أو بعد مضاعفات أولية، ما يزيد من صعوبة العلاج.
  • التواصل مع المدرسة والمعلّمين مهم، لأن الطفل يقضي جزءاً كبيراً من نهاره هناك، ومن المهم أن يفهم المعلمون أن هناك خطة علاج وقد يحتاج الطفل إلى فحوصات أو وجبات خاصة أو نشاطات مناسبة.
  • الجانب النفسي لا يمكن إغفاله: بعض الأطفال يشعرون بأنهم «مختلفون» أو «مقيّدون» بسبب المرض. لذا فالاستعانة بالأخصائيين النفسيين ذوي الخبرة أمر مهم جداً.
  • الأسرة هي محور النجاح أو الفشل: التزام أحد الأبوين أو كلاهما بنمط الحياة الصحي، وحضور مواعيد الطبيب، ومراقبة النتائج يحسّن النتائج كثيراً.
  • لا بدّ من أن يكون الطفل مشاركاً في القرار بقدر الإمكان: فحسب ملاحظتي، عند مناقشة خطط النشاط البدني أو الوجبات مع الطفل، عادة يصبح التزامه أفضل.

المضاعفات المحتملة

إن ترك السكّري لدى الأطفال دون علاج قد يؤدي إلى:

  • مشاكل في العيون
  • مشاكل في الكلى (بروتين في البول أو ضعف في وظائف الكلية)
  • أمراض القلب والشرايين
  • مشاكل بالأعصاب (تنميل، ضعف الإحساس)
  • مشكلات نفسية أو اجتماعية أو تغير في جودة الحياة
  • الإرشادات الحديثة للمعهد الوطني للصحة والرعاية المتميزة (NICE) تؤكّد أن التشخيص السريع والمتابعة الدقيقة يقلّلان من فرصة حدوث هذه المضاعفات.

تحدّيات في العالم العربي

في السياق العربي، ألاحظ تحديات إضافية:

  • وجود نسب أعلى من السمنة بين الأطفال في بعض الدول، ما يُعدّ عامل خطر إضافي للنوع الثاني.
  • تفاوت في الوعي الصحي بين المناطق الحضرية والريفية أو بين الأسر حسب الدخل، ما قد يُبطئ التشخيص أو يعرقل المتابعة.
  • الحاجة إلى برامج توعية في المدارس والمجتمع، وتشجيع فحوصات مبكرة للأطفال الذين لديهم عوامل خطر.

كلمة أخيرة

من واقع خبرتي كطبيب ممارس عام، أرى أن أهم خطوة في التعامل مع مرض السكري عند الأطفال هي عدم الاستسلام للخوف.
حين يواجه الأهل التشخيص للمرة الأولى، يشعرون وكأن حياة طفلهم قد تغيرت بالكامل. لكن الحقيقة أن المرض يمكن السيطرة عليه بسهولة نسبية متى فُهم جيدًا، ومتى تحوّل الالتزام بالعلاج إلى جزء طبيعي من الروتين اليومي.

أذكر طفلًا في العاشرة من عمره شُخِّص بالنوع الأول قبل عامين، واليوم يمارس كرة القدم بانتظام ويعيش حياة طبيعية تمامًا. السر لم يكن في الدواء فقط، بل في التزام أسرته وتعاملهم الهادئ مع حالته.

رسالتي لكل والد ووالدة: انتبهوا للتفاصيل الصغيرة، شجّعوا أبناءكم على الحركة والتغذية الجيدة، ولا تترددوا في طلب الاستشارة الطبية إذا لاحظتم أي تغيّر غير مبرر في نشاط الطفل أو وزنه أو شهيته.


أسئلة شائعة

هل يمكن الشفاء من السكّري لدى الأطفال؟
لا يوجد حتى الآن علاج شافٍ للسكري من النوع الأول؛ الهدف هو السيطرة على المرض وتخفيف الأعراض. في النوع الثاني، قد يحدث تحسّن كبير أو حتى «تراجع للمرض» إذا تمّ تعديل نمط الحياة مبكّراً، لكن لا يُعدّ ذلك بالضرورة «شفاءً».
هل طفلي سيظل «مريضاً بالسكر طوال حياته»؟
غالباً سيتابع مع الطبيب مدى الحياة، لكن ليس بالضرورة أن يعيش حياة مقيدة أو أقل نشاطاً. مع العلاج الجيد وتحسين النمط الغذائي وزيادة النشاط البدني، يمكنه أن يعيش حياة طبيعية.
ما نوع الغذاء الذي أوصي به؟
طعام متوازن، غني بالخضروات والفواكه، قليل السكريات والدهون المشبعة، مع الالتزام بالمقادير وعدد الوجبات، وتوزيعها على مدار اليوم لتجنّب الزيادات المفاجئة في السكر.
كيف يمكن للمدرسة أن تساعد؟
ينصح بإبلاغ المدرسة بأن الطفل لديه سكّري، وأن يُتاح له التبوّل عند الحاجة، وقياس سكر الدم، وأن يُشجع على النشاط البدني، وأن يتم توعية زملاؤه ومعلميه.


المصادر

د/ محمد البلتاجي