طب دايلي

سكر الحمل

pregnancy, baby belly, woman-5098881.jpg

نظرة سريعة

يُعدّ سكّر الحمل من أكثر المشكلات الصحية شيوعًا بين النساء أثناء الحمل، إذ يصيب نحو ٧٪ من الحوامل. وعلى الرغم من أنه غالبًا ما يختفي بعد الولادة، فإن تأثيره قد يمتدّ على الأم والجنين إن لم يُشخّص ويُعالج باكرًا. في هذا المقال، أقدّم بصفتي طبيبًا ممارسًا عامًّا شرحًا مبسّطًا عن أسباب سكّر الحمل وأعراضه ومضاعفاته وطرق الوقاية منه.

مقدمة

عندما نتحدث عن “السكري”، يتبادر إلى الذهن عادة مرض مزمن يستمر مدى الحياة، لكن هناك نوعًا خاصًا يظهر فقط أثناء الحمل ويختفي بعده في أغلب الحالات، وهو ما يُعرف بـ سكّر الحمل.
من واقع عملي كطبيب ممارس عام، رأيت كيف يمكن لهذا النوع من السكري أن يُثير قلق الحوامل وأسرهن، خصوصًا حين يأتين بعد التشخيص وهنّ يتساءلن: هل سيؤذي طفلي؟ هل سيستمر بعد الولادة؟ وهل أستطيع الوقاية منه؟

الحقيقة أن سكّر الحمل ليس مرضًا نادرًا ولا خطيرًا بالضرورة، لكنه يتطلّب وعيًا ومتابعة دقيقة، لأن ارتفاع السكر في الدم أثناء الحمل قد يؤثر على صحة الأم والجنين معًا.

ما هو سكّر الحمل؟

يحدث سكّر الحمل عندما ترتفع مستويات الجلوكوز في دم المرأة الحامل أكثر من المعدل الطبيعي، دون أن تكون مصابة بالسكري قبل الحمل.
السبب في ذلك يعود إلى التغيرات الهرمونية التي ترافق الحمل، إذ يفرز الجسم كميات متزايدة من الهرمونات التي تساعد على نمو الجنين، لكنها تجعل خلايا الجسم أقل استجابة للأنسولين، وهي الحالة التي تُعرف بـ مقاومة الأنسولين.
في الوضع الطبيعي، يُعوّض البنكرياس هذه المقاومة بإفراز مزيد من الأنسولين، لكن عند بعض النساء لا يتمكن من مواكبة هذا الطلب المتزايد، فيرتفع السكر في الدم ويظهر سكّر الحمل.

مدى شيوعه

تشير الإحصاءات الحديثة إلى أن حوالي سبع نساء من كل مئة حامل في الولايات المتحدة يُصبن بسكّر الحمل. وفي مصر والدول العربية، تتراوح النسبة بين ٥ إلى ١٢٪ بحسب الدراسات الحديثة ونمط الحياة.
وغالبًا ما يُكتشف المرض في الثلث الثاني من الحمل، أي بين الأسبوعين الرابع والعشرين والثامن والعشرين، عندما تُجرى الفحوص الدورية للسكر.
ورغم أن سكّر الحمل يختفي عادة بعد الولادة، إلا أن المرأة التي أُصيبت به تكون أكثر عرضة لاحقًا للإصابة بالسكري من النوع الثاني. كما أن الطفل قد يكون أكثر عرضة للإصابة بالسمنة أو اضطرابات السكر مستقبلًا إن لم يُتّخذ الحذر مبكرًا.


لماذا يظهر سكّر الحمل؟

الأسباب معقّدة ومتداخلة، لكنها تدور حول محور رئيسي هو الاختلال في التوازن بين الهرمونات والأنسولين أثناء الحمل.
ومن العوامل التي تزيد احتمال الإصابة:

  • الوراثة: إذا كانت الأم أو إحدى الأخوات قد أُصبن بسكّر الحمل من قبل.
  • الوزن الزائد أو السمنة قبل الحمل.
  • قلة النشاط البدني.
  • العمر فوق ٢٥ عامًا.
  • ولادة طفل كبير الحجم (يزيد وزنه عن ٤ كغم).
  • الإصابة السابقة باضطرابات السكر المؤقتة.

ومن خبرتي، لاحظت أن كثيرًا من الحالات كانت لنساء لم يسبق لهن الإصابة بالسكري، لكن نمط حياتهنّ قبل الحمل (قلة الحركة، الاعتماد على الأطعمة الجاهزة، والسهر) جعل أجسامهن أقل قدرة على التكيف مع متطلبات الحمل الهرمونية.


الأعراض التي قد تلاحظها الحامل

في معظم الأحيان، لا يسبب سكّر الحمل أعراضًا واضحة، ولهذا يتم اكتشافه فقط من خلال الفحص الروتيني.
لكن في بعض الحالات قد تظهر علامات تدعو إلى الشك، مثل:

  • العطش الزائد.
  • التبوّل المتكرر.
  • التعب المستمر.
  • تشوّش الرؤية أحيانًا.
  • زيادة الشهية دون زيادة مناسبة في الوزن.

ورأيت في العيادة حالات كانت فيها الحامل تظن أن تعبها طبيعي بسبب الحمل، لكن الفحوص كشفت أن السبب ارتفاع السكر في الدم. لذلك أؤكد دومًا على أهمية التحليل الروتيني وعدم الاكتفاء بالاطمئنان الظاهري.


تشخيص سكّر الحمل

يُجرى التشخيص عبر اختبار بسيط يعرف باسم اختبار تحمّل الجلوكوز الفموي (OGTT)، ويتم عادة في الأسبوع 24 إلى 28 من الحمل.
في هذا الاختبار تُعطى الحامل محلولًا سكريًا خاصًا، ثم يُقاس مستوى السكر في دمها بعد ساعة وساعتين وثلاث ساعات.
إذا تجاوزت النتائج الحدود الطبيعية، يُشخَّص سكّر الحمل.
أما النساء المعرضات للخطر (بسبب السمنة أو التاريخ العائلي أو وجود سكّر في حمل سابق)، فيُجرى لهن الفحص في وقت أبكر من الحمل.

ومن تجربتي، أرى أن كثيرًا من السيدات يعتقدن أن التحليل مجرد إجراء روتيني لا أهمية له، لكن الحقيقة أنه اختبار وقائي بالغ الأهمية، لأنه يكشف عن المشكلة قبل أن تؤثر على الجنين.


تأثير سكّر الحمل على الأم والجنين

ارتفاع السكر في الدم أثناء الحمل لا يؤذي الأم وحدها، بل يؤثر أيضًا في نمو الجنين وتطوره.
فعند ارتفاع السكر في دم الأم، يمرّ جزء منه إلى دم الجنين عبر المشيمة، مما يُحفّز البنكرياس لديه لإنتاج كميات كبيرة من الأنسولين.
وهذا الأمر يؤدي إلى زيادة نمو الجنين واكتسابه وزنًا زائدًا داخل الرحم (حالة تُعرف بالعملقة الجنينية)، وهو ما قد يُصعّب الولادة الطبيعية ويزيد احتمال اللجوء إلى القيصرية.

كما قد يتعرض الطفل بعد الولادة لانخفاض في مستوى السكر بالدم، لأن جسده يستمر في إفراز كميات عالية من الأنسولين رغم توقف تدفق السكر من الأم.
أما بالنسبة للأم، فيمكن أن يسبب سكّر الحمل:

  • ارتفاع ضغط الدم وتسمم الحمل.
  • زيادة خطر الولادة المبكرة.
  • تكرار العدوى البولية أو الجلدية.

لكن الجانب المطمئن أن معظم هذه المضاعفات يمكن الوقاية منها تمامًا بالمتابعة المنتظمة وتنظيم الغذاء ومتابعة السكر.


العلاج والتحكم في الحالة

القاعدة الذهبية في علاج سكّر الحمل هي السيطرة على مستويات السكر دون التأثير على تغذية الأم أو نمو الجنين.

يبدأ العلاج عادة بخطوات بسيطة لكنها فعّالة:

1. تعديل النظام الغذائي

الغذاء هو حجر الأساس في التحكم بالمرض.
أنصح دائمًا الحوامل بتقسيم الوجبات إلى ثلاث رئيسية وثلاث خفيفة، لتجنّب ارتفاع السكر المفاجئ.
يُفضّل أن تحتوي الوجبات على:

  • كربوهيدرات بطيئة الامتصاص مثل الشوفان والحبوب الكاملة.
  • بروتينات صحية كالدجاج والأسماك والبقوليات.
  • خضروات وفواكه معتدلة السكر.
    ويُستحسن تقليل العصائر والمخبوزات والسكريات البسيطة.

2. النشاط البدني المنتظم

الرياضة المعتدلة تساعد الجسم على استهلاك الجلوكوز بشكل طبيعي.
أنصح عادة بالمشي اليومي لمدة نصف ساعة، أو ممارسة السباحة الخفيفة بإشراف الطبيب.
حتى الأعمال المنزلية البسيطة تساهم في تحسين حساسية الجسم للأنسولين.

3. متابعة السكر

يجب على الحامل قياس مستوى السكر عدة مرات يوميًا وفق تعليمات الطبيب.
تُسجّل النتائج وتُراجع دوريًا لضبط النظام الغذائي أو الدواء عند الحاجة.

4. العلاج الدوائي

في الحالات التي لا تكفي فيها الحمية والرياضة، يُستخدم الأنسولين بجرعات مدروسة وآمنة تمامًا أثناء الحمل.
أما الأدوية الفموية مثل الميتفورمين، فتُستخدم فقط في ظروف محددة وتحت إشراف متخصص.

من واقع خبرتي، وجدت أن كثيرًا من النساء يشعرن بالقلق من فكرة حقن الأنسولين، لكن ما إن يرين تأثيره الإيجابي على الفحوص وصحة الجنين حتى يتحول الخوف إلى التزام واطمئنان.


المتابعة بعد الولادة

بعد الولادة، تعود مستويات السكر إلى طبيعتها في أغلب الحالات خلال أيام أو أسابيع.
لكن الطبيب عادة يُوصي بإجراء تحليل سكر جديد بعد ٦ إلى ١٢ أسبوعًا للتأكد من زوال الحالة تمامًا.
كما يُنصح بإعادة الفحص مرة كل عامين على الأقل، لأن نحو نصف النساء اللواتي أصبن بسكّر الحمل قد يعانين لاحقًا من السكر من النوع الثاني.

وللوقاية من ذلك، يجب الحفاظ على نمط حياة صحي حتى بعد الولادة (حمية متوازنة، نشاط بدني، وزن مستقر ) لأن الجسم يحتفظ بـ”ذاكرة أيضية” تجعل عودة المرض أسهل إن أُهمل.


أثر سكّر الحمل النفسي والاجتماعي

من الجوانب التي لا يُلتفت إليها كثيرًا هو الأثر النفسي.
كثير من الحوامل يشعرن بالذنب حين يُخبرن بإصابتهن بسكّر الحمل، وكأنهن ارتكبن خطأ في العناية بأنفسهن.
ومن خبرتي، وجدت أن الدعم النفسي من الزوج والأسرة يخفف القلق بشكل كبير، ويُحسن التزام المريضة بخطة العلاج.
الحمل فترة حساسة، والهدوء النفسي خلالها لا يقل أهمية عن العلاج الدوائي.


نصائحي من واقع الممارسة

بوصفي طبيبًا ممارسًا عامًّا، أوصي كل امرأة حامل أو تخطط للحمل بما يلي:

  • ابدئي المتابعة قبل الحمل إن أمكن. إذا كنت مصابة بالسكري أو لديك تاريخ عائلي، فاضبطي مستويات السكر قبل الحمل.
  • لا تؤخّري فحص السكر. حتى لو شعرتِ بأنك بصحة جيدة، التحليل وحده يكشف الحقيقة.
  • تعاملي مع الحمية على أنها توازن، لا حرمان. الهدف ليس تقليل الطعام، بل تنظيمه.
  • تذكّري أن التحكم في السكر يحميك ويحمي طفلك.
    في كل مرة أتابع فيها حالة سيدة التزمت بتعليماتها وشهدت ولادة طبيعية دون مضاعفات، أزداد يقينًا بأن الوعي والالتزام هما الدواء الأول قبل أي حقنة أو قرص.

الخلاصة

سكّر الحمل ليس مرضًا مخيفًا، لكنه جرس إنذار يدعو الأم إلى مراجعة نمط حياتها وتحسينه.
حين تُكتشف الحالة مبكرًا وتُدار بطريقة صحيحة، يمكن للأم أن تمرّ بحمل طبيعي وتلد طفلًا سليمًا تمامًا.
أما بعد الولادة، فتبقى الوقاية والاستمرار في العادات الصحية أهم وسيلة لتجنّب تكرار المشكلة في المستقبل.
إن الفهم الجيد لهذا المرض لا يحمي الأم فقط، بل يضع حجر الأساس لصحة الجيل القادم.


المصادر العلمية

  1. Mayo Clinic – Gestational diabetes: Diagnosis and treatment.
  2. World Health Organization – Diagnostic criteria and classification of hyperglycaemia first detected in pregnancy.
د/ هناء فاروق