طب دايلي

تأثير مرض السكري على القلب

man, heartache, chest pain-1846050.jpg

نظرة سريعة

يُعد السكّري أحد أخطر العوامل التي تؤثّر على القلب والأوعية الدموية: عندما يرتفع سكر الدم وتزداد مقاومة الأنسولين، تبدأ خلايا الجسم والأوعية الدموية بالتأثر، ويزيد بذلك احتمال الإصابة بتصلّب الشرايين، النوبة القلبية، أو قصور القلب. في هذا المقال أوضح، من طبيعة الممارسة اليومية، كيف يؤثر السكّري على القلب، ما هي الآليات، من هم المعرضون للخطر، وكيف يمكن تشخيص المشكلة وعلاجها بشكل فعّال للحماية من مضاعفات القلب.

ما المقصود بتأثير السكّري على القلب؟

حين نشير إلى تأثير السكّري على القلب، نعني بذلك أنّ داء السكّري ليس مجرد ارتفاع في سكر الدم، بل حالة تؤدي إلى تغيّرات جذرية في الأوعية الدموية والقلب نفسه، فتتحول إلى عامل رئيسي في الإصابة بأمراض القلب التاجية، احتشاء عضلة القلب، قصور القلب، أو حتى الموت المبكر. فالشخص المصاب بالسكري يكون عرضه للإصابة بأمراض القلب أو الجلطات أكثر بكثير من غيره. فعلى سبيل المثال، أظهرت الدراسات أنّ البالغين المصابين بالسكري يواجهون خطرًا أكبر بمقدار 2-4 مرات للإصابة بأمراض القلب مقارنة بمن لا يعانون من السكّري. [مصدر]
من واقع ممارستي، أجد أن كثيراً من المرضى يرون السكّري كمرض “غلوكوز فقط”، لكن عندما نشرح لهم أن ذلك يعني مخاطر أكبر على القلب والأوعية، ألاحظ تغير فهمهم والتزامهم.


لماذا يُشكّل السكّري خطراً كبيراً على القلب؟

يوجد تفسير علمي متعدّد للكيفية التي يُضعّف بها السكّري القلب:

  • التغيّرات الوعائية المبكرة: ارتفاع الجلوكوز لفترات طويلة يؤذي الخلايا الباطنية للشرايين (endothelium)، فتفقد قدرتها على الانبساط والإنكماش، ويُسهّل تراكم اللويحات وتصلّب الشرايين.
  • مقاومة الأنسولين والالتهاب المزمن: خصوصاً في السكّري من النوع الثاني، يعاني الجسم من مقاومة للأنسولين، ما يرتبط بزيادة الدهون الثلاثية، انخفاض الكوليسترول النافع، وزيادة الالتهاب، وكلها عوامل تُسرّع أمراض القلب. [مصدر]
  • اعتلال الأعصاب القلبيّ (Cardiac autonomic neuropathy): السكّري قد يُلحق ضرراً بالأعصاب التي تنظم نبضات القلب والأوعية، فتقل قدرته على التكيف، وقد لا يشعر المريض بالأعراض الكلاسيكية للنوبات القلبية. [مصدر]
  • التداخل مع عوامل الخطر التقليدية: السكّري غالبًا يجتمع مع ارتفاع ضغط الدم، السمنة، اضطراب الدهون، ما يزيد الحمل على القلب. لكن حتى بعد ضبط هذه العوامل، يبقى السكّري عامل خطر مستقلّ. [مصدر]

من هم الأشخاص الأكثر عرضة لتأثير السكّري على القلب؟

كل مريض سكّري معرض، لكن ثمة فئات تزيد فيها المخاطر:

  • مَن يعاني أيضاً من ارتفاع ضغط الدم أو ارتفاع الدهون الثلاثية/انخفاض الكوليسترول النافع HDL.
  • المرضى المدخّنون أو الذين لديهم تاريخ عائلي لأمراض القلب.
  • مرضى السكّري من النوع الثاني الذين لديهم سمنة مركزية (دهون في منطقة البطن) أو الذين يعانون من السكّري منذ سن مبكر.
  • مرضى السكّري الذين استمرّ لديهم المرض لسنوات طويلة دون ضبط جيد.
  • مرضى السكّري الذين لديهم مشاكل في الكلى أو مضاعفات الأوعية الدقيقة (مثل اعتلال الكلى أو اعتلال الأعصاب).

كما أشير دائماً للمرضى: “ليس مجرد وجود السكّري، بل كيفية تعاملنا معه هو الذي يحدد ما إذا كان القلب سيتأثر أم لا”.


ما الأعراض التي قد تنذِر بأن القلب مُتأثّر؟

تأثير السكّري على القلب غالباً يبدأ بصمت، ما يعني أنه قد لا تظهر علامات واضحة حتى تتقدَّم الحالة. لكن هناك بعض المؤشرات التي تستدعي الانتباه:

  • شعور بضيق نفس غير مبرَّر عند أداء نشاط بسيط.
  • تعب غير مفسَّر، أو انخفاض القدرة على التحمل البدني.
  • تورّم القدمين أو الكاحلين (خصوصاً في وجود قصور قلبي).
  • عدم انتظام ضربات القلب، أو خفّة الرأس.
  • ألم أو شعور بعدم ارتياح في الصدر، وإن كان أقل وضوحاً أو حتى غير محسوس عند بعض مرضى السكّري بسبب تلف الأعصاب.

من واقع عملي، رأيت مريضاً سكّرياً أُحيل بعد أن اشتكى من تعب بسيط فقط، ولم يشعَر بألم في الصدر، لكن الفحوص كشفت وجود تصلّب شرايين متقدّم.


كيف يُشخّص الأطباء تأثير السكّري على القلب؟

التشخيص يتطلّب مزيجاً من التاريخ المرضي، الفحص السريري، والتحاليل والعناية التخصصية. الخطوات تشمل:

  • أخذ تاريخ مفصّل: مدة السكّري، مدى التحكم في مستوى السكر، وجود أعراض قلبية أو ضغوط أخرى.
  • فحص بدني: قياس ضغط الدم، التأكّد من وجود تورّم أو تغيُّرات في القدمين/الكاحلين، فحص ضربات القلب.
  • تحاليل دم: تشمل HbA1c (تحليل السكر التراكمي)، الدهون (الكوليسترول الكلّي، LDL، HDL، الدهون الثلاثية)، الكرياتينين، تحليل الكلى، وظائف الغُدّة.
  • تخطيط القلب الكهربائي (ECG) أو صدى القلب (Echocardiogram) عند الشكّ.
  • في بعض الأحيان، فحوصات تصوير الشرايين أو وحدة قياس تدفّق الدم لدى الأوعية التاجية.

تشير الأبحاث إلى أن التقييم الشامل للقلب لدى مريض السكّري من البداية يُساعد في التقليل من عبء المضاعفات. [مصدر]
كطبيب ممارس، أُفضّل ألا ننتظر حتى ظهور الأعراض، فالفحص الدوري هو الخطوة الأولى نحو حماية القلب.


ما هي المضاعفات القلبية المرتبطة بالسكري؟

عندما يبقى السكّري بلا تحكّم أو إذا تُرك بدون تقييم شامل، قد تنشأ مضاعفات ذات أثر كبير، منها:

  • تصلّب الشرايين التاجية (Coronary Artery Disease): تراكم اللويحات يؤدي إلى ضيق أو انسداد الشرايين المغذّية للقلب، مع احتمال حدوث نوبة قلبية.
  • قصور القلب (Heart Failure): القلب لا يستطيع ضخّ الدم بشكل كافٍ، غالباً بسبب تلف الأنسجة أو ضعف التروية.
  • اعتلال عضلة القلب السكّري (Diabetic cardiomyopathy): تلف مباشر لعضلة القلب نتيجة ارتفاع السكر والالتهاب، دون وجود انسداد واضح في الشرايين.
  • احتشاء قلبي صامت: في السكّري، بسبب ضعف حسّ الأعصاب، قد تحدث نوبة قلبية دون ألم أو علامات واضحة، لذا يُطلق عليها “صامتة”. [مصدر]
  • أمراض الأوعية الطرفية والجريان الوعائي الضعيف: التي تدلّ على أن القلب والأوعية كلها عرضة لتأثير السكّري.

من تجربتي، أجزم أن المريض الذي تجمّع لديه السكّري + ارتفاع ضغط الدم + ارتفاع الدهون من دون متابعة منتظمة، يكون على موعد مع مشاكل القلب المختلفة، لذا يكون دورنا كأطباء هو التدخّل قبل الوصول لمرحلة المضاعفات.


كيفية وقاية القلب لدى مرضى السكّري؟

علاج تأثير السكّري على القلب يتطلّب مقاربة شاملة تشمل تغييرات أسلوب الحياة، مراقبة دقيقة، وعلاج دوائي عند الحاجة.

تعديل نمط الحياة

  • التغذية: يُفضّل أن تكون قائمة الطعام غنية بالخضروات، الحبوب الكاملة، البروتينات الصحية، مع تقليل السكريات والدهون المشبّعة.
  • النشاط البدني: ممارسة نشاط يومي مثل المشي السريع لمدة 30-45 دقيقة، أو الرياضة ثلاثة إلى خمسة أيام في الأسبوع.
  • الحفاظ على وزن ملائم وتقليل الدهون في منطقة البطن.
  • التوقف عن التدخين والابتعاد عن التعرض المزمن للضغوط النفسية.
    هذه الإجراءات لا تحسّن السكر فقط بل تحسّن صحّة القلب أيضاً، وهو ما أؤكّده لمرضاي دائماً.

المتابعة والعلاج الطبي

  • ضبط السكر التراكمي قرب الهدف (مثلاً أقل من 7٪ أو حسب توصية الطبيب) يقلّل كثيراً من مخاطر القلب. [مصدر]
  • السيطرة على ضغط الدم (مثلاً أقل من 130/80 مم زئبق أو حسب حالة المريض).
  • تحسين مستويات الدهون: خفض LDL ورفع HDL، وخفض الدهون الثلاثية.
  • في بعض الحالات، ينصح باستخدام أدوية حديثة لمرض السكّري (مثل مثبّطات SGLT2 أو مناهضات GLP-1) إذ أنها أظهرت فوائد للقلب؛ بمعنى أن علاجات السكّري اليوم لا تركز فقط على السكر بل على حماية القلب أيضاً.

من وجهة نظري كطبيب ممارس، أجد أن المريض الذي يفهم أن الغاية ليست “مجرد خفض السكر” بل “حماية قلبه”، يكون أكثر تحفزاً للالتزام، وتكون النتائج أفضل بكثير.


نصائح عملية للمرضى

إليك بعض التوجيهات البسيطة والمباشرة التي أنصح بها كل مريض سكّري يودّ حماية قلبه:

  1. قِس سكر الدم، والضغط، والدهون بانتظام.
  2. إذا لاحظت تعب أو ضيق نفس عند ممارسة أي نشاط لم تكن تشعر به سابقاً، أخبر الطبيب فوراً.
  3. استعمل تطبيقاً أو دفترًا لتتبع وزن جسمك، محيط الخصر، ومستوى النشاط اليومي، فمن المهم أن تفهم أن “دهون البطن” ليست مجرد شكل بل عامل خطر حقيقي.
  4. كلما تحسّن وزنك أو نشاطك، احتفل بإنجازك، فالتحفيز الذاتي مهم للاستمرار.
  5. لا تهمِل تناول الأدوية كما وصفها الطبيب ولا تؤجّل أي خطوة لتحسين نمط حياتك، فكثير من المرضى يقولون “سألتزم يوماً ما” ثم يندمون على تأخرهم عند حدوث مضاعفات خطيرة.
  6. شارك خططك مع أسرتك أو أصدقاءك، فالدعم الاجتماعي يزيد فرص الالتزام والنجاح.

الخلاصة

مرض السكّري ليس مجرد ارتفاع لسكر الدم، بل مسارٌ يحتمل أن يؤذي القلب تدريجياً إن لم نتعامل معه مبكّراً. من خلال فهم العلاقة بين السكّري والقلب، والكشف المبكر، تعديل نمط الحياة، والمتابعة المنتظمة، يمكننا معاً كمريض وطبيب أن نحول هذا الخطر إلى قصة نجاح. الهدف ليس مجرد “التعايش مع السكّري”، بل العيش بقلب قوي وحياة طبيعية مستدامة.


المصادر العلمية

  1. Diabetes Mellitus and Cardiovascular Disease – NCBI Bookshelf. Available at: https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK597416/
  2. The link between diabetes and cardiovascular disease – Atherosclerosis Journal. Available at: https://www.atherosclerosis-journal.com/article/S0021-9150%2824%2900167-9/fulltext
  3. Diabetes and Cardiovascular Disease – American Heart Association. Available at: https://www.heart.org/en/health-topics/diabetes/diabetes-complications-and-risks/cardiovascular-disease–diabetes
  4. Cardiovascular disease in type 2 diabetes mellitus: progress toward a better understanding – Cardiovascular Diabetology. Available at: https://cardiab.biomedcentral.com/articles/10.1186/s12933-022-01516-6
د/ محمد البلتاجي