يعد مرض السكري أحد أكثر الأمراض انتشارًا في العالم، إذ قدر في عام 2019 أن عدد المصابين بهذا الداء يزيد عن 460 مليون شخص. لذا، فالتعرف على أعراض السكري في مراحله الأولى أمر بالغ الأهمية، لأنه يمكّن المريض من اتخاذ الإجراءات الوقائية والعلاجية المناسبة قبل تفاقم الحالة. خلال سنوات ممارستي، واجهت العديد من الحالات التي كان بالإمكان تشخيصها مبكرًا لو أن المرضى كانوا على دراية بهذه العلامات التحذيرية.
وتلك هي بعض من أهم أعراض مرض السكري في بدايته:
الأعراض الأساسية لمرض السكري في بدايته
1. كثرة التبول
تُعد كثرة التبول من أولى العلامات التي تشير إلى الإصابة بمرض السكري، وهي عرض يلاحظه معظم مرضاي في البداية. عندما يرتفع مستوى السكر في الدم إلى مستويات غير طبيعية، تحاول الكليتان التخلص من هذا السكر الزائد عن طريق إخراجه مع البول.1
من خبرتي العملية، أجد أن هذا العرض يكون أكثر وضوحًا خلال فترات الليل، حيث يضطر المريض للاستيقاظ عدة مرات للتبول، مما يؤثر سلبًا على جودة النوم. كما لاحظت أن بعض المرضى يتجاهلون هذا العرض في البداية، معتقدين أنه مجرد زيادة في شرب السوائل.
يحدث هذا العرض نتيجة لما يُسمى “البوال التناضحي”، حيث يسحب السكر الزائد في البول كميات كبيرة من الماء معه، مما يؤدي إلى زيادة حجم البول وتكرار الحاجة للتبول. هذه الآلية الفسيولوجية تفسر سبب ارتباط كثرة التبول مع العطش الشديد.
2. العطش الشديد
العطش الشديد والمستمر هو العرض الثاني الأكثر شيوعًا في بداية مرض السكري، وهو مرتبط بشكل مباشر مع كثرة التبول.2 في عيادتي، أسمع كثيرًا من المرضى يصفون شعورهم بأن “فمهم جاف باستمرار” أو أنهم “لا يستطيعون إرواء عطشهم مهما شربوا من الماء”.
هذا العطش المفرط ينتج عن فقدان الجسم لكميات كبيرة من السوائل نتيجة كثرة التبول، مما يؤدي إلى الجفاف. ويحاول الجسم تعويض هذا النقص في السوائل عن طريق إرسال إشارات عطش قوية للدماغ. من الملاحظات المهمة التي رصدتها أن هذا العطش لا يختفي حتى بعد شرب كميات كبيرة من السوائل، بل يستمر بشكل مزمن.
أنصح مرضاي دائمًا بعدم تجاهل هذا العرض، خاصة عندما يكون مصحوبًا بكثرة التبول، لأنه قد يكون المؤشر الأول على وجود خلل في استقلاب السكر في الجسم.
3. زيادة الشعور بالجوع (الجوع المفرط)
الشعور المستمر بالجوع، حتى بعد تناول وجبات كاملة ومشبعة، هو عرض يثير قلق كثير من مرضاي. هذا العرض ينتج عن عدم قدرة الخلايا على الاستفادة من الجلوكوز الموجود في الدم نتيجة مقاومة الأنسولين أو نقص إفرازه.
عندما لا تحصل الخلايا على الطاقة اللازمة من الجلوكوز، ترسل إشارات للدماغ تحفز الشعور بالجوع، محاولة الحصول على مزيد من الطعام لتوفير الطاقة المطلوبة. من خلال متابعتي للمرضى، لاحظت أن هذا النوع من الجوع يختلف عن الجوع الطبيعي، حيث يكون مستمرًا وغير قابل للإشباع بسهولة.
هذا العرض يمكن أن يؤدي إلى زيادة الوزن في البداية،3 لكن مع تقدم المرض وتدهور وظائف البنكرياس، قد يحدث العكس ويبدأ المريض في فقدان الوزن بشكل غير مرغوب فيه.
4. وخز أو تنميل في اليدين والقدمين
الاعتلال العصبي المحيطي هو أحد المضاعفات الخطيرة لمرض السكري، والذي قد يظهر في مراحل مبكرة عند بعض المرضى. من خبرتي، أجد أن هذا العرض يبدأ عادة في أطراف الأصابع ويمتد تدريجيًا نحو الأعلى.
يحدث هذا التنميل والوخز نتيجة تلف الأعصاب الصغيرة بسبب ارتفاع مستويات السكر في الدم لفترات طويلة. الجلوكوز الزائد يؤدي إلى تراكم منتجات سامة في الأعصاب، مما يضر بوظيفتها الطبيعية.
أنصح مرضاي دائمًا بعدم تجاهل أي شعور غير طبيعي في الأطراف، خاصة إذا كان مصحوبًا بأعراض أخرى للسكري. التدخل المبكر في هذه الحالة يمكن أن يمنع تقدم الاعتلال العصبي ويحافظ على سلامة الأعصاب.4
5. بطء التئام الجروح والشفاء
من الأعراض التي ألاحظها بشكل متكرر في عيادتي هو شكوى المرضى من بطء شفاء الجروح البسيطة، مثل الخدوش أو الجروح الصغيرة. هذا العرض مهم جدًا لأنه يعكس تأثير مرض السكري على الجهاز المناعي ودورة الدم.
ارتفاع مستوى السكر في الدم يؤثر سلبًا على وظائف خلايا الدم البيضاء، مما يضعف قدرة الجسم على مقاومة العدوى والشفاء. كما أن السكر المرتفع يؤثر على الدورة الدموية، مما يقلل من وصول الأكسجين والمواد المغذية إلى موقع الجرح.
في ممارستي العملية، أولي اهتمامًا خاصًا لهذا العرض لأنه قد يكون المؤشر الأول على وجود خلل في التحكم بمستوى السكر، حتى قبل ظهور الأعراض الأخرى بشكل واضح.
6. تشوش الرؤية وضبابية البصر
مشاكل البصر من أولى المضاعفات التي قد تظهر عند مرضى السكري، وتحتاج إلى اهتمام فوري. يحدث تشوش الرؤية نتيجة تأثير ارتفاع السكر على عدسة العين، حيث يؤدي إلى تورمها وتغيير شكلها، مما يؤثر على قدرتها على تركيز الضوء بشكل صحيح على الشبكية. كما أن ارتفاع السكر المزمن يمكن أن يؤدي إلى تلف الأوعية الدموية الصغيرة في الشبكية، وهو ما يُعرف باعتلال الشبكية السكري.
أنصح جميع مرضاي بإجراء فحوصات دورية للعين، خاصة إذا كانوا يعانون من أي تغيرات في البصر، لأن التدخل المبكر يمكن أن يمنع المضاعفات الخطيرة مثل العمى.
7. بقع الجلد الداكنة (الشواك الأسود)
الشواك الأسود هو حالة جلدية مميزة ترتبط بقوة بمقاومة الأنسولين ومرض السكري. في عيادتي، أرى هذه الحالة بشكل متكرر، خاصة في منطقة الرقبة والإبط.
تظهر هذه البقع على شكل مناطق داكنة سميكة ومخملية الملمس، وقد تسبب حكة خفيفة. تنتج هذه الحالة عن ارتفاع مستويات الأنسولين في الدم، والتي تحفز نمو خلايا الجلد بشكل غير طبيعي.
من خبرتي، أجد أن الشواك الأسود يمكن أن يكون المؤشر الأول على وجود مقاومة للأنسولين، حتى قبل تشخيص مرض السكري رسميًا. لذلك، أنصح أي شخص يلاحظ ظهور هذه البقع بإجراء فحوصات السكر فورًا.
8. العدوى المتكررة والالتهابات
مرضى السكري أكثر عرضة للإصابة بالعدوى والالتهابات المختلفة، وهو عرض ألاحظه بكثرة في ممارستي اليومية. النساء بشكل خاص يعانين من التهابات المسالك البولية المتكررة وعدوى الخميرة المهبلية.
يحدث هذا لعدة أسباب: أولاً، ارتفاع مستوى السكر في البول يوفر بيئة مثالية لنمو البكتيريا والفطريات. ثانيًا، السكري يضعف جهاز المناعة، مما يقلل من قدرة الجسم على مقاومة العدوى. ثالثًا، اضطراب الدورة الدموية يقلل من وصول خلايا المناعة إلى مواقع العدوى.
في تعاملي مع هذه الحالات، أولي اهتمامًا خاصًا للتاريخ المرضي للعدوى المتكررة، لأنها قد تكون الدليل الأول على وجود خلل في استقلاب السكر.
9. حكة الجلد والجفاف
الحكة المستمرة والجفاف في الجلد من الأعراض الشائعة التي يشكو منها مرضى السكري. هذا العرض ينتج عن عدة عوامل مترابطة: الجفاف نتيجة كثرة التبول، ضعف الدورة الدموية، وارتفاع مستوى السكر في الدم.
من خبرتي، أجد أن هذه الحكة تكون أكثر وضوحًا في الأطراف والمناطق التي تتعرض لاحتكاك مستمر. كما أن بعض المرضى يعانون من تشققات في الجلد، خاصة في منطقة الكعبين والأيدي.
أنصح مرضاي باستخدام مرطبات مناسبة والعناية الجيدة بالجلد، بالإضافة إلى ضرورة التحكم الجيد في مستوى السكر لتقليل هذه الأعراض.
10. جفاف الفم والمشاكل الفموية
جفاف الفم هو عرض شائع ومزعج لدى مرضى السكري، وهو مرتبط بشكل مباشر مع الجفاف العام الذي يعاني منه المريض. من خلال ممارستي، ألاحظ أن هذا العرض يؤثر أحيانًا على جودة حياة المريض.
ارتفاع مستوى السكر يقلل من إفراز اللعاب، مما يؤدي إلى جفاف الفم وزيادة خطر الإصابة بتسوس الأسنان وأمراض اللثة. كما أن قلة اللعاب تؤثر على عملية المضغ والبلع والكلام.
أنصح مرضاي بالعناية المضاعفة بصحة الفم والأسنان، وإجراء زيارات دورية لطبيب الأسنان، بالإضافة إلى شرب كميات كافية من الماء لترطيب الفم.
11. التعب والإرهاق المستمر
التعب المزمن والإرهاق غير المبرر من أكثر الأعراض التي يشكو منها مرضى السكر. هذا التعب ليس مجرد إرهاق عادي، بل شعور عميق بنقص الطاقة والحيوية يستمر حتى بعد أخذ فترات راحة كافية.
يحدث هذا التعب لعدة أسباب: عدم قدرة الخلايا على الاستفادة من الجلوكوز للحصول على الطاقة، الجفاف المزمن نتيجة كثرة التبول، اضطرابات النوم، والتأثير النفسي للمرض نفسه.
من خبرتي، أجد أن هذا النوع من التعب يتحسن بشكل ملحوظ مع التحكم الجيد في مستوى السكر، مما يؤكد ارتباطه المباشر بالمرض.
12. فقدان الوزن غير المرغوب فيه
فقدان الوزن التلقائي رغم تناول كميات طبيعية أو حتى زائدة من الطعام هو عرض مهم، خاصة في مرض السكري من النوع الأول. من خلال ممارستي، أجد أن هذا العرض يثير قلق المرضى وذويهم بشكل كبير.
يحدث فقدان الوزن نتيجة عدم قدرة الخلايا على الاستفادة من الجلوكوز، فيبدأ الجسم في تكسير الدهون والعضلات للحصول على الطاقة اللازمة. أعتبر فقدان الوزن غير المبرر علامة تحذيرية مهمة تستدعي التقييم الفوري لمستوى السكر في الدم.
ملاحظات من الممارسة العملية
خلال سنوات ممارستي، تعلمت أن التشخيص المبكر لمرض السكري يتطلب انتباهًا دقيقًا لهذه الأعراض وعدم تجاهل أي منها، حتى لو بدت بسيطة. كثيرًا ما أرى مرضى يأتون بعد سنوات من ظهور هذه الأعراض، معتقدين أنها مجرد تغيرات طبيعية أو مرتبطة بالعمر أو الضغوط اليومية.
من أهم النصائح التي أقدمها لمرضاي هو ضرورة إجراء فحوصات دورية للسكر، خاصة إذا كان هناك تاريخ عائلي للمرض أو وجود عوامل خطر أخرى مثل السمنة أو قلة النشاط البدني.
الخلاصة والتوصيات
مرض السكري مرض يمكن التحكم فيه والعيش معه بصورة طبيعية إذا تم تشخيصه مبكرًا وعولج بالطريقة الصحيحة. الأعراض المذكورة في هذا المقال هي إشارات تحذيرية مهمة يجب عدم تجاهلها.
إذا كنت تعاني من أي من هذه الأعراض، خاصة إذا كانت مصحوبة بأعراض أخرى، أنصحك بشدة بمراجعة الطبيب فورًا لإجراء الفحوصات اللازمة. التشخيص المبكر والعلاج المناسب يمكن أن يمنعا ظهور المضاعفات الخطيرة ويحسنا من جودة الحياة بشكل كبير.
تذكر أن الوقاية خير من العلاج، والتشخيص المبكر هو الخطوة الأولى نحو حياة صحية مع مرض السكري.
مصادر
- Kumar, J., Rehman, T., Barkat, R., Shah, B., Sindhu, L., Husnain, M., … & Hashmi, A. A. (2024). A comparative analysis of clinical features of diabetes mellitus type 2 with respect to duration of diabetes. Cureus. https://doi.org/10.7759/cureus.74849 ↩︎
- Gunardi, S. (2024). The effect of supportive education on foot care knowledge in type 2 diabetes mellitus. Jurnal Ilmiah Ilmu Keperawatan Indonesia, 14(01), 15-21. https://doi.org/10.33221/jiiki.v14i01.3218 ↩︎
- Nawaz, T., Nawaz, V., Khurram, T., Munsif, S. M., Waheed, S., Moin, S., … & Hashmi, A. A. (2025). Comparative analysis of clinical features of type 2 diabetes mellitus between men and women. Cureus. https://doi.org/10.7759/cureus.84472 ↩︎
- Bril, V. (2014). Neuromuscular complications of diabetes mellitus. CONTINUUM: Lifelong Learning in Neurology, 20, 531-544. https://doi.org/10.1212/01.con.0000450964.30710.a0 ↩︎
- الآثار الجانبية لحقن فيتامين د وأهم التحذيرات - 14 مارس، 2026
- كيف تؤثر أنظمة الحماية الذكية على الصحة النفسية؟ - 11 مارس، 2026
- بيئة المنزل والوقاية من الحساسية: دليل طبي لتحسين جودة الهواء - 11 مارس، 2026
